حسن الأمين

119

مستدركات أعيان الشيعة

سريعا ، وأفاع بوادي الخرلخ إذا رأت أنفسها ماتت وإذا رآها الناس ماتوا ، وكذلك جميع الحيوان ، والصناجة - وهي الدابة العظمى - لها عينان كأعظم ما يكون من الخلجان ، يكون مقدار كل عين منها ومدار حماليقها نحو فرسخ ، فتعمد هذه الأفاعي لتقتلها خاصة ، فتوافي هذا الوادي من بلاد دواخل التبت ، فترفع أحداقها إلى أدمغتها حتى لا تنظر إليها ، فتقصدها هذه الأفاعي لتنهشها ، فتقابلها باعينها وهي صافية فتنظر إلى صورتها فتموت ، فتأكلها تلك الدابة ، ولقد خبرت أن وزن الأفعى منها نحو خمسين ألف رطل . وأما عن « المسامتة » فيقول جابر : إن الكلب والضبعة العرجاء إذا سامت فيئها فيئه ( أي إذا جاء ظلها عموديا على ظله ) والكلب على سطح الجبل سقط سريعا من غير مهلة حتى تأكله ، وأما « السماع » فان الحيات والأفاعي وغير ذلك إذا سمعن صوت البومة هربن من وطنهن ، وأما « الشم » فان الأسد والحمار - خاصة من جميع الحيوان - إذا أخذ من مني الأنثى منهما شيء وطلي به ثوب أو لحم أو جسد إنسان أو غير ذلك وشمم لأحدهما منيه بعينه ، يتبع الشام له أي وجه توجه إليه ، وأما « الذوق » فالزاج والزيبق يفلج اللسان إذا وقع عليه ، والسموم وأفعالها وأمثال ذلك مما لا يحصى تعداده ، وأما « اللمس » فجبهة الأرنب البحري إذا لمست لحم الإنسان فتقته « ( 1 ) . ويحدد لنا جابر معنى « الخاصية » تحديدا يكاد يجعل هذه الكلمة مرادفة لما يسمى في الفلسفة بالماهية ، فهو يقول : إن « الشيء الخاصي هو الذي يفعل الشيء بعينه ما يفعله - بكلام أهل الجدل » ( 2 ) وهو يريد بهذه العبارة أن يقول : أن خاصية الشيء هي الوظيفة التي يؤديها ، فخاصية الحصان هي مجموعة الوظائف العضوية التي يؤديها الحصان ولا يؤديها حيوان سواه ، وإذن فخاصية الحصان هي « صورة » الحصان - بالمعنى الأرسطي لكلمة « صورة » - أو هي الماهية التي تجعل الحصان هو ما هو ، ولهذا ترى ابن حيان يستمر في عبارته السابقة فيقول عن الشيء الخاصي أيضا : إن « لوجوده ما يوجد فعله معه - بكلام أهل المنطق » - فهاتان عبارتان يردف إحداهما بالأخرى ، مستمدا الأولى من مصطلح أهل الجدل ، ومستمدا الثانية من مصطلح أهل المنطق - كما يقول - والمعنى فيهما واحد ، وهو أن خاصية الشيء هي فعله ، فلا وجود لها بغير وجود هذا الفعل ، ولا وجود لهذا الفعل بغير وجودها ، ويزيدنا جابر تعريفا بالشيء الخاصي فيقول في السياق نفسه : « والشيء الخاصي لا يجوز أن يحول عن حاله على مرور السنين » وهذا بديهي ما دامت خاصية الشيء هي ماهيته ، وهي جوهره ، وهي صورته ، وهي وظيفته ، فمحال أن يبقى الشيء وتزول خصائصه الجوهرية التي أكسبته حقيقته ووضعته موضعه الصحيح بين سائر الأشياء . ويمضي ابن حيان في كلامه عن الخاصي فيقول : إن « الشيء اليسير منه هو الفاعل على مثل الشيء الكثير منه ، ولكن القول في الكمية على مقدار ذلك ، كوزن الحبة من المغناطيس تجذب اليسير من الحديد ، وكالرطل يجذب على قدره ، والأكثر فيه القوة التي يجذب بها ما جذب الأصغر لقلة كميته ودخولها في كميته ، وليس ذلك في الأصغر لقلته ، وإن ليس كمية الأكثر داخلة في كمية الأقل » - هذا نص نافذ ومفيد ، وهو يحتاج إلى بعض التوضيح لالتواء عبارته اللفظية ، فمؤداه أن العنصر المعين ذو فعل معين لا يتغير من حيث نوع الفعل بتغير الكمية التي تأخذها منه ، فالمغناطيس - مثلا - يجذب الحديد ، ولا فرق في ذلك بين مغناطيس كثير ومغناطيس قليل ، فالفعل واحد في نوعه ، وكل الفرق هو أن المغناطيس الكثير يجذب قطعة كبيرة من الحديد ، والقليل يجذب قطعة صغيرة ، على أن الكثير يفعل فعل القليل أيضا ، والعكس غير صحيح ، أي أن القليل لا يفعل فعل الكثير . إن هذه الأقوال التي أسلفناها ، والتي حاول بها جابر أن يحدد معنى « الخاصية » عندما نزعم أن للشيء المعين « خاصية » معينة ، إنما تنصرف إلى ما هو ذاتي في طبيعة الشيء ، ولا تنصرف إلى صفات أخرى قد يطلق عليها هي أيضا اسم « الخواص » لكنها قد تكون سريعة الزوال أو بطيئته ، ولهذا نرى ابن حيان يذكر لنا في موضع آخر ( 3 ) ثلاثة أنواع للخواص ، هي : 1 - سريع الزوال ، ويسمى حالا . 2 - بطيء الزوال ، ويسمى هيئة . 3 - ذاتي فيما هو فيه . فالتحديدات السالفة ، مقصود بها النوع الثالث ، أي ما يكون ذاتيا في الشيء ، وليس المقصد بها حال الشيء ولا هيئته . وهنا يورد جابر عبارة أراها بالغة الأهمية في وصف الروح المنهجية عنده ، وهي ( 4 ) : « الخاصية تابعة لعملها . . . لأن الخواص لا تتفق في جوهرين مختلفين بوزن واحد ، ولكنها إذا اتفقت في جوهرين أو جواهر عدة كان حدها مثل الجوهر الأول سواء في الكيفية وجميع الحدود ، لأنه من الممتنع وجود جوهرين حدهما حدان مفردان يقال عليهما خاصية واحدة . . . لأن المستحدين بحد واحد متفقان في الجوهرية والعرضية » . « الخاصية تابعة لعملها » - هذا هو بعينه المبدأ الذي تدور عليه الفلسفة البراجماتية المعاصرة كلها ، وهو تعريف موجز لما يسمونه اليوم « بالتعريف الاجرائي » ، ومعناه أنك إذا أردت أن تعرف كلمة ما ، وجب أن ينحصر التعريف في مجموعة الأفعال التي يسلك بها الشيء المسمى بتلك الكلمة ، فلا فائدة للعلوم إذا لا أنت عرفت كلمة بكلمات ، وهذه بسواها ، لأنك عندئذ ستدور في كلمات ، ولا تجاوزها إلى حيث الطبيعة الواقعة ، فأولا - إذا لم يكن للكلمة مدلولها الخارجي الذي يكون ذا عمل يؤدى ، فالكلمة عندئذ تكون لغوا لا يدخل في مجال العلم ، وثانيا - لو كان لهذه الكلمة مدلولها الخارجي ، ثم أردنا تحديد معناها تحديدا لا يدع مجالا

--> ( 1 ) أثبتنا هذه الأشياء التي لا شك في مجافاتها لروح العلم التجريبي الذي عرف به جابر ، وذلك لنرسم صورة صحيحة للرجل من شتى نواحيه . ( 2 ) كتاب الخواص الكبير ، المقالة الأولى . ( 3 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 73 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 73 - 74 .